فوزي آل سيف

8

أعلام من الأسرة النبوية

وبالنسبة لحمزة بن عبد المطلب فقد استشهد ولم يخلف ذكورا بحيث يمتد نسبه بهم. والملاحظ أن الآية المباركة تقسم الحق المالي هذا إلى أقسام: فأما سهم الله فهو تشريف وابتداء وبيان اهتمام وإلا فإن كل ما في الكون هو لله سبحانه، ثم للرسول لا بالمعنى الشخصي وإنما بما هو وال على الأمة وقائد لها، ويخلفه في ذلك الإمام الحق حيث تحتاج القيادة إلى إمكانيات مالية لتسيير أمورها. ويبقى النصف الآخر وهو لقرابة الرسول ممن ذكرناهم آنفا من بني هاشم وعبد المطلب، من أبنائهم وأحفادهم، فقيرهم ومسكينهم وابن سبيلهم وذوي حاجتهم من الرجال والنساء. لا سيما وقد حرم الله عليهم الصدقة الواجبة، وكره لهم أخذ الصدقة المستحبة.[28] هذا عند الإمامية، وأما أتباع مدرسة الخلفاء فقد اختلفت الأقوال عندهم، ولكن الجامع بينها أن بني هاشم وعبد المطلب لا ينالون من الخمس شيئا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله، فصار حال فقيرهم ومسكينهم أسوء من أي أحد، فإذا كان مسكين غيرهم وفقيره يعطى من الصدقات فهؤلاء لا تحل لهم بحسب الفرض (لا سيما على رأي بعضهم ممن يحرمون على الآل الصدقة الواجبة والمستحبة!!)، فلا ينالون منها، ومن جهة أخرى حرموا من الخمس!![29] فبينما كان الحديث عن أسرة النبي وقرابته وأنه لا يسأل الناس أجرا على رسالته إلا المودة في قرباه، وأن المطلوب هو تكريم لهذه الأسرة لمكانها من رسول الله، و مقتضى التكريم أن تزيد في عطائهم وأن يكون ذلك العطاء بحيث لا يكون المستلم في موقع الذلة والمهانة، وإنما بما هو حق ثابت له في المال، وأنت واسطة الايصال.. بل لقد أنف النبي صلى الله عليه وآله لذريته أن يكونوا محط بقايا عطايا الناس بما يرافق ذلك عادة من الامتهان للآخذ. فقد نقل[30] السيوطي[31] عن مُسلم وَابْن سعد عَن الْمطلب بن ربيعَة بن الْحَارِث قَالَ جِئْت انا وَالْفضل بن الْعَبَّاس فَقُلْنَا يَا رَسُول الله جِئْنَا لتؤمرنا على هَذِه الصَّدقَات فَسكت وفع رَأسه الى سقف الْبَيْت حَتَّى أردنَا ان نكلمه فَأَشَارَتْ إِلَيْنَا زَيْنَب من وَرَاء حجابها كَأَنَّهَا تَنْهَانَا عَن كَلَامه وَأَقْبل فَقَالَ ان الصَّدَقَة لَا تحل لمُحَمد وَلَا لآل مُحَمَّد وانما هِيَ اوساخ الناس..[32]

--> 28 ) وسائل الشيعة 9/ 509.. عن زكريا بن مالك الجعفي، عن أبي عبد الله عليه ‌السلام أنّه سأله عن قول الله عزّ وجلّ: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ )؟ فقال: أمّا خمس الله عزّ وجلّ فللرسول يضعه في سبيل الله، وأمّا خمس الرسول فلأقاربه وخمس ذوي القربى فهم أقرباؤه، واليتامى يتامى أهل بيته، فجعل هذه الأربعة أسهم فيهم، وأمّا المساكين وابن السبيل فقد عرفت أنّا لا نأكل الصدقة ولا تحلّ لنا فهي للمساكين وأبناء السبيل. 29 ) قال في بداية المجتهد 1/ 313: ناقلا الاختلاف والاقوال، منها: أنه يقسم اليوم ثلاثة أقسام، وأن سهم النبي وذي القربى سقطا بموت النبي (ص ). والقول الرابع: أن الخمس بمنزلة الفئ يعطى منه الغني والفقير، وهو قول مالك وعامة الفقهاء. والذين قالوا يقسم أربعة أخماس أو خمسة اختلفوا فيما يفعل بسهم رسول الله (ص ) وسهم القرابة بعد موته. فقال قوم: يرد على سائر الاصناف الذين لهم الخمس. وقال قوم: بل يرد على باقي الجيش. 30 ) في الخصائص الكبرى 2/ 405 31 ) عبد الرحمن بن كمال الدين الأسيوطي المشهور باسم جلال الدين السيوطي، عالم شافعي المذهب، صوفي التوجه، يعد من حفاظ الحديث، كثير المصنفات حتى قيل بأنه صنف نحو 500 عنوان ما بين كتاب ورسالة في التفسير والحديث والفقه والسير والتاريخ، منها: الاتقان في علوم القرآن، ومنها رسائل متعددة في نجاة والدي النبي، ومنها: في الفضائل ؛إحياء الميت بفضائل أهل البيت والثغور الباسمة في مناقب سيدتنا فاطمة، وله شروح على أكثر المصادر الحديثية الأساسية في مدرسة الخلفاء.. أهم شيوخه ابن حجر العسقلاني. توفي سنة 911 هـ. 32 ) وقد أوضح المرجع الديني السيد علي السيستاني حسبما جاء في تقريرات بحثه: الرافد في الأصول / 70 ما هو المقصود بأنها أوساخ الناس كالتالي عند الحديث عن الفرق بين الاعتبار القانوني والاعتبار الأدبي في الخطابات الشرعية:.. التعبير في بعض النصوص عن الزكاة بأنها « اوساخ أيدي الناس »، وقد وقع الإشكال في ذلك من بعض الأدباء والأقلام المعاصرة بأن الزكاة حق للفقراء في أموال الاغنياء فكيف يعتبر الإسلام هذا الحق من الاوساخ، مع أن لازم ذلك احتقار الفقراء واهانتهم وحدوث الطبقية بينهم وبين الاغنياء ما دام الإسلام يعتبر حقوقهم من الفضلات والأوساخ. ولكن الجواب الصحيح عن ذلك أن يقال: بأن هذا التعبير لون من ألوان الاعتبار الأدبي لا الاعتبار القانوني، بلحاظ أن الاعتبار الأدبي حقيقته كما ذكرنا سابقاً إعطاء حد شيء لشيء آخر بهدف التأثير في احاسيس المخاطب ومشاعره، وفي المقام عندما أقبل بنو عبد المطلب للرسول وطلبوا منه أن يجعلهم من عمال الصدقات حتى ينالوا نصيباً منها أراد الرسول إبعادهم عن ذلك، ولعله بسبب ألّا تكون جميع وظائف الدولة الإسلامية بيد بني هاشم، لأن ذلك عامل منفر ومؤلب للقلوب عليهم بأنهم استبدوا بجميع الوظائف والمراكز، فحاول الرسول استخدام تعبير يبعدهم عن الوظيفة المعينة فقال لهم بأن الصدقات أوساخ ما في أيدي الناس، وهو تعبير أدبي كما قلنا قصد منه تنفير نفوسهم واحاسيسهم عن العمل المذكور لا أنه تعبير قانوني..